أساس المسؤولية الجنائية
في مجال القانون الجنائي على وجه الخصوص نجد أن تحديد أساس المسؤولية الجنائية هو مقدمة ضرورية لتحديد شروطها وأثارها، وقد قيل في هذا الصدد "أن أساس المسؤولية الجنائية ليس مجرد موضوع من موضوعات القسم العام في القانون الجنائي، بل هو القانون الجنائي ككل".
يمكن صياغة مشكلة تحديد أساس المسؤولية الجنائية في السؤال الاتي: لماذا يسأل الشخص جنائياً؟
للإجابة على هذا السؤال يمكن القول بأن المدارس الفقهية الجنائية تدور حول فكرتين: هما حرية اختيار السلوك الإجرامي من ناحية، وحتمية السلوك الإجرامي من ناحية أخرى، وظهرت على إثر ظهور هاتين الفكرتين مدرستان هما المدرسة التقليدية التي أخذت بفكرة حرية الاختيار، والمدرسة الواقعية التي أخذت بفكرة الحتمية ( حيدر).
ملاحظة الباحث:
أولاً: المدرسة التقليدية
أخذت المدرسة التقليدية بمبدأ الاختيار وعلى هذا الأساس فإنها قد تقيم المسؤولية الجنائية على حرية الاختيار ومؤداها أن مرتكب الجريمة قد اختار بإرادته الحرة سلوك طريق الجريمة المخالف للقانون، فالجاني كان عليه أن يختار بين السلوك المطابق للقانون والسلوك المخالف له، فإذا اختار السلوك المخالف للقانون بإرادته الحرة كان مسؤولاً عن هذا الاختيار مسؤولية جنائية.
ويعني هذا أن مناط المسؤولية هو حرية الإنسان في توجيه إرادته نحو السلوك الإجرامي، فطالما توفرت هذه الحرية كاملة كان الإنسان مسؤولاً عن سلوكه، وإذا انعدمت حرية الإرادة أو انتقصت وجب القول عندئذ بفقدان المسؤولية أو تخفيفها، فالإنسان لا يُسأل، إلا في حدود القدر من الحرية المتوفر له وقت التصرف الذي وجه إرادته إلى السلوك المخالف للقانون ( فتوح، 2001 ).
ويستند أنصار حرية الاختيار إلى حجة رئيسة، مؤادها أن حرية الاختيار هي الأساس الوحيد الذي يمكن تصوره للمسؤولية الأخلاقية أو القانونية، ودون هذه الحرية لن يكون للمسؤولية معنى، ولا يمكن أن تستند إلى أساس آخر يدعمه المنطق، وتقيم المدرسة التقليدية المسؤولية الجنائية على أساس فكرة الذنب أو الخطأ وذلك عن طريق قيام الإنسان بفعل مخالف للقانون، وجريمة الإبادة الجماعية تقوم على فكرة الذنب لأن ارتكابها يتوفر فيه القصد الجنائي الخاص ولا يتصور وقوعها بالخطأ (ضاري).
ثانياً: المدرسة الواقعية
أن أنصار هذه المدرسة يقيمون المسؤولية الجنائية على فكرة الخطر وليس الخطأ، لأن الجريمة في مفهومها حدث يجب تجنبه في الأصل وليس حدثاً يجب علاج آثاره. ويرى أنصار هذه المدرسة أن الجريمة لا ترجع إلى محض اختيار الجاني وإنما هي مقدرة عليه شأنها شأن نتيجة تحققت أسبابها.
وقد استند أنصار المدرسة الواقعية في إقامة المسؤولية الجنائية على أساس فكرة الخطورة إلى عدة حجج منها: أن حرية الاختيار محض ادعاء لا يوجد دليل علمي يؤكد صحته، وأن ما قدم من حجج لتأكيد حرية الاختيار لا يمكن أن تكون لها قيمة في مواجهة الحقائق العلمية الثابتة التي تدعم فكرة الحتمية.
ويتضح مما تقدم أن فكرة الحتمية تكمن في تطبيق قوانين السببية على السلوك الإجرامي باعتباره من صور السلوك الإنساني الذي لا يشذ عن هذه القوانين. ويؤدي إقامة المسؤولية على أساس حرية الاختيار إلى تجريد فكرة المسؤولية من الطابع العلمي وبنائها على محض افتراض يقود إلى التحكم ( حيدر).
الخلاصة
وبناء على ما تقدم: يمكن القول إن أساس المسؤولية الجنائية بموجب نظام روما الأساسي يقوم على فكرة الذنب أو الخطأ، بحيث أن الإنسان لا يكون أهلاً لتحمل المسؤولية الجنائية عن ارتكاب فعل يؤدي إلى جريمة ما لم يكن مدركاً لطبيعة فعله وصفته. وقد تعرضت المحكمة العسكرية الدولية التي أنشئت في نورمبرغ إلى موضوع أساس المسؤولية الجنائية.
وفي تقديري إن المدرسة التقليدية هي أقرب للصواب وهو ما أميل إليه، حيث إن الإنسان لديه القدرة على الاختيار حين يكون أهلاً للمسؤولية، وتنتفي المسؤولية الجنائية بموانع المسؤولية (الجهني، 2023).
Keywords:
Criminal responsibility, Criminal law, Free will, Determinism, Classical school, Positivist school, Fault, Danger, Rome Statute, International Military Tribunal, Nuremberg, Genocide, Criminal intent, Criminal justice.
المراجع:
د. حيدر غازي فيصل الربيعي، مرجع سابق، ص 155.
-
د. فتوح عبد الله الشاذلي، المسؤولية الجنائية، دار المطبوعات الجامعية للنشر، 2001، ص 7 وما بعدها.
-
د. ضاري خليل محمود وباسل يوسف، مرجع سابق، ص 159.
-
د. حيدر غازي فيصل الربيعي، مرجع سابق، ص 159.
الجهني، عبدالعزيز بن عبداللطيف عبدربه. (2023). المسؤولية الجنائية عن جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي الجنائي: دراسة وصفية تحليلية (رسالة ماجستير، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية).https://search.mandumah.com/Record/1432810
المحكمة الجنائية الدولية. نظام روما الأساسي. المواد 5، 11، 25، 62.
الأمم المتحدة. (1948). الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. نيويورك: الأمم المتحدة.
اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. المواد 4 و6.
مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. (1994). القرار رقم 955 بشأن إنشاء محكمة لمحاكمة المسؤولين عن إبادة الجنس البشري في رواندا.
مقالات قانونية تهمك
- اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في جريمة الإبادة الجماعية
- مبدأ افتراض البراءة في القانون الدولي الجنائي
- المسؤولية الجنائية الدولية للشخص الطبيعي والشخص المعنوي
- العدالة الجنائية مفهومها، أهدافه، وأسسها القانونية
- أركان الجريمة الدولية قراءة قانونية واكاديمية
- القصد الجنائي العام والخاص في القانون الجنائي دراسة تحليلية
- العلاقة السببية في القانون الدولي الجنائي دراسة قانونية
- مبدأ الشرعية في القانون الدولي الجنائي
- مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية في إطار القانون الدولي الجنائي
- مبدأ عدم رجعية القوانين في القانون الدولي الجنائي
- القيود القانونية على المسؤولية الجنائية في القانون الدولي الجنائي: دراسة في أسباب الإباحة وموانع المسؤولية والعقاب
google scholar أبحاثي على الباحث العلمي
جميع الآراء الواردة في هذه المدونة تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تُلزم أي جهة رسمية
تاريخ النشر: الأحد، 10 أغسطس 2025
تم تحويل رسالة الماجستير إلى كتاب علمي منشور(2023) بعنوان المسؤولية الجنائية عن جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي الجنائي: دراسة وصفية تحليلية. وللاطلاع على الكتاب بصيغة PDF عبر منصة Zenodo، اضغط هنا.

